السيد محمد تقي المدرسي
195
من هدى القرآن
قال الإمام الصادق عليه السلام : كُلُّ أُمَّةٍ يُحَاسِبُهَا إِمَامُ زَمَانِهَا ، وَيَعْرِفُ الْأَئِمَّةُ أَوْلِيَاءَهُمْ وَأَعْدَاءَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : « وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ » وَهُمُ الْأَئِمَّةُ « يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ » فَيُعْطُونَ أَوْلِيَاءَهُمْ كِتَابَهُمْ بِيَمِينِهِمْ فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِلَا حِسَابٍ ، وَيُؤْتُونَ أَعْدَاءَهُمْ كِتَابَهُمْ بِشِمَالِهِمْ فَيَمُرُّونَ إِلَى النَّارِ بِلَا حِسَابٍ ، فَإِذَا نَظَرَ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي كِتَابِهِمْ يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ : « هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » ] « 1 » . وكتاب المؤمنين الذي سُجِّلت فيه صالحاتهم هو جوازهم على الصراط إلى الجنة ، وشهادتهم في الانتماء إلى الصالحين والأبرار ، وتسجيل الله لهذه اللقطة « اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ » يأتي للتأكيد على أن أحدا لا يدخل الجنة من دون ثمن ، بل إن الله خلق كل واحد وأعطاه الإرادة والاختيار بأن يكتب بنفسه حياته ومستقبله المصيري ، وصفحات الإنسان التي يتألف منها كتابه هي ساعات عمره التي يكتب فيها ما يشاء من الأعمال التي تحدد مصيره في الآخرة ، وفي الخبر النبوي أنه : يُفْتَحُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ عُمُرِهِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ خِزَانَةً عَدَدَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَخِزَانَةٌ يَجِدُهَا مَمْلُوءَةً نُوراً وَسُرُوراً فَيَنَالُهُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا مِنَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ لَأَدْهَشَهُمْ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِأَلَمِ النَّارِ وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي أَطَاعَ فِيهَا رَبَّهُ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ خِزَانَةٌ أُخْرَى فَيَرَاهَا مُظْلِمَةً مُنْتِنَةً مُفْزِعَةً فَيَنَالُهُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا مِنَ الْفَزَعِ وَالْجَزَعِ مَا لَوْ قُسِمَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ لَنُغِّصَ عَلَيْهِمْ نَعِيمُهَا وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي عَصَى فِيهَا رَبَّهُ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ خِزَانَةٌ أُخْرَى فَيَرَاهَا فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا مَا يَسُرُّهُ وَلَا مَا يَسُوؤُهُ وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي نَامَ فِيهَا أَوِ اشْتَغَلَ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ مُبَاحَاتِ الدُّنْيَا فَيَنَالُهُ مِنَ الْغَبْنِ وَالْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِهَا حَيْثُ كَانَ مُتَمَكِّناً مِنْ أَنْ يَمْلَأَهَا حَسَنَاتٍ مَا لَا يُوصَفُ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : « ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ » ] « 2 » ، أما المتقون الذين لا يَفْتُرون عن طاعة الله ويذكرونه دائما وعلى كل حال « قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ » [ آل عمران : 191 ] ، فإن أكثر صفحات كتبهم تتألق بنور الأعمال الصالحة التي يستبشرون بها ، ويدعون الآخرين لقراءتها يوم القيامة . [ 20 ] ويؤكد الله أن الإيمان بالجزاء ( الآخرة ) أصل كل خير ، وأساس كل عمل صالح في حياة المؤمنين ، فهو الدافع الذي يقف وراء الصالحات ، والجامع المشترك بينها كلها ، وهذه الحقيقة تتضح لو قمنا بعملية استقراء دقيقة لحياة واحد من أصحاب اليمين ، الذين يعلن الواحد منهم هذه الحقيقة في صفوف المحشر يومئذ « إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ » ولا يقول : سأعرف أو سأعلم حسابيه ، لأن الإنسان على نفسه بصيرة فهو الذي يكتب كتابه بنفسه . . إذن فهو يعلم بحسابه ولو بصورة مجملة ، فكيف والمؤمنون يحاسبون أنفسهم ؟ إنما يريد سألاقي من
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 384 ، بحار الأنوار : ج 8 ، ص 339 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 262 .